بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة تعريف بالشاعر ونسبه
هو العلامة أثير الدين أبو البقاء صالح بن يزيد بن صالح بن علي بن موسى بن أبي القاسم بن شريف النفزي الرندي من قبيلة نفزة البربرية أبو الطيب، شاعر أندلسي من أهل رندة من جزيرة الأندلس، ولِدَ برندة سنة 601هـ، وهو من القضاة، وله علمٌ بالحساب والفرائض، وهو أحد الأدباء المجيدين من أهل الأندلس. أقام بمالقة شهرًا، وأكثر الترددَ إلى غرناطة يسترفد ملوكَها، قال عنه أبو عبد الله محمد المراكشي في الذيل والتكملة: "كان خاتمة أدباء الأندلس، بارع التصرف في منظوم الكلام ومنثوره، فقيهًا حافظًا فرَضيًّا متفنِّنًا في معارف جليلة، نبيل المنازع، متواضعًا مقتصدًا في أحواله، وله مقامات بديعة في أغراض شتى، وكلامه نظمًا ونثرًا مدون، وله تأليف في العَروض، وتأليف في صنعة الشعر سماه "الكافي في علم القوافي"، وأودعه جملة وافرة من نظمه" وهو الذي نظم القصيدة المشهورة في رثاء الأندلس والتي أولها:
رثى فيها الأندلس بعد انهيار دولة الموحدين في أعقاب هزيمتهم في معركة العقاب سنة 609 وانحسار المسلمين في غرناطة بعد أن استولى الفرنج على معظم مدن الأندلس الكبرى، كقرطبة وإشبيلية وبلنسية وغيرها، وعمل الفرنج على محو آثار الإسلام في هذه المدن، وكذلك عندما تنازل حاكم غرناطة الأمير محمد بن يوسف بن نصر لملك قشتالة الفونسو عن بعض المدن والحصون الإسلامية مصانعةً له، فأثارت هذه الأوضاع حميةَ أبي البقاء وغيَّرَتْه، فنظم هذه القصيدة المشهورة، والتي انتشرت في بلاد المسلمين وخاصة بلاد المغرب أرض العدوة، يرثي فيها حال المسلمين بالأندلس، ويستنجد بحكامها لإنقاذ إخوانهم في الأندلس.
حال المسلمين وسبب كتابة المرثية
لايخفى على البعض ما حصل مع أهل الاندلس، بعد الهزيمة في معركة العقاب لم يبقى شاب مسلم صالح للقتال في بلاد الأندلس، استغل ملوك النصارى الوضع فتوسعوا في أراضي الأندلس. فسقطت قرطبة سنة 633هـ/1236م، وهي التي كانت دار العلوم وصانعة القرار. وبعدها بسنوات، سقطت إشبيلية سنة 646هـ/1248م، حيث قُتل عدد من أهلها، ومن بقي منهم خضع لحكم النصارى وعُرفوا بالمدجنين.
كما توالت النكبات على المسلمين فسقطت مدن كبرى مثل مرسية وجيان، بينما كانت مدن أخرى مثل لشبونة (سنة 541هـ/1147م) وسرقسطة (سنة 512هـ/1118م) قد خرجت من أيدي المسلمين قبل ذلك. وهكذا انحسر سلطان المسلمين في الأندلس واقتصر على مملكة بنو الاحمر وما جاورها وفي الجزيرة الخضراء بنو مرين، [الذين دخلوا الأندلس لسبب قبلي _:نقل عن الدكتور عبدالعزيز العويد]

وفي هذه المرثية للشيخ أبو البقاء صالح الرندي

صنفها بعض من الأدباء على أنها أعظم مرثية للممالك حيث أنها شملت ما حدث في الأندلس وحال المسلمين بعد معركة العقاب وسنفصلها ونشرح ما نقدر عليه إن شاء الله وأن أخطأت في شرح بعض المعاني فاعذروني.
المطلع
الشرح: يبدأ الشاعر بحكمة خالدة: كل شيء في الدنيا مصيره إلى النقصان بعد الكمال فلا يغتر أحد بحلاوة الحياة لأنها لا تدوم لأحد هنا إشارة إلى أن القوة والعظمة لا تحمي من الفناء.
البيت الثاني
الشرح: الدنيا متقلبة كالأيام فما يفرحك اليوم قد يحزنك غدًا هذه سنة الحياة كما رأى الشاعر بعينه من صعود وسقوط الممالك.
البيت الثالث
الشرح: الدنيا لا تدوم لأحد، ولا يبقى فيها شأن على حال هنا تذكير بأن الفناء مصير كل شيء حتى أعظم الحضارات.
البيت الرابع
الشرح: الدهر [الزمن] يدمر كل شيء قوي حتى الدروع القوية والسيوف اللامعة والرماح. لا شيء يقف أمام حتمية الفناء.
البيت الخامس
الشرح: حتى أعظم الأبطال والملوك مثل سيف بن ذي يزن الذي حكم اليمن، سيفنون. غمدان (قصره العظيم) لم يحمه من القدر.
البيت السادس
الشرح: أين ملوك اليمن القدماء الذين كانوا يرتدون التيجان؟ أين تيجانهم وصولجانهم؟ كل ذلك زال.
البيت السابع
الشرح: أين ما بناه شداد (ملك عاد) في إرم ذات العماد؟ وأين ما بناه ساسان (ملك الفرس)؟ كل الحضارات العظيمة زالت.
البيت الثامن
الشرح: أين ثروة قارون؟ أين قبائل عاد وثمود وقحطان؟ كل شيء زال، حتى المال والقوة لا يحميان من الفناء.
البيت التاسع
الشرح: جاء أمر الله الذي لا مفر منه، حتى زالوا وكأنهم لم يكونوا تذكير بالقدر المحتوم.
البيت العاشر
الشرح: صار الملك والملكوت كالحلم الزائل، كأنه خيال عابر.
البيت الحادي عشر
الشرح: حتى دارا (ملك الفرس) وقاتله لم ينج، وكسرى (ملك الفرس) لم يجد في إيوانه ملاذًا.
البيت الثاني عشر
الشرح: حتى الصعب (ملك حمير) الذي لم يسهل له شيء، وسليمان (النبي عليه السلام) الذي ملك الدنيا، لم يخلد ذكرهما.
البيت الثالث عشر
الشرح: يشير الشاعر إلى تنوع المصائب التي تصيب البشر عبر الزمن، مؤكداً أن الدهر الزمن) لا يقتصر على نوع واحد من البلاء، بل يأتي بأنواع متعددة من الشدائد والآلام فيه سرور وحزن، فرح ومأساة.
البيت الرابع عشر
الشرح: كل مصيبة تُنسى مع الزمن، إلا مصيبة الإسلام (سقوط الأندلس) فلا تُنسى.
البيت الخامس عشر
الشرح: نزل بالأندلس مصيبة عظيمة (سقوط المدن)، اهتز لها جبلا أُحُد وثَهلان.
البيت السادس عشر
الشرح: كأن عينًا أصابت الإسلام، فسقطت أقطار الأندلس وبلدانها.
البيت السابع عشر
الشرح: اسأل عن حال بلنسية ومرسية وشاطبة وجيان، الشاعر يذكر المدن التي سقطت وسيسهب فيها.
البيت الثامن عشر
الشرح: وأين قرطبة، منارة العلم؟ أين علماؤها الذين نبغوا فيها؟
البيت التاسع عشر
الشرح: وأين حمص (إشبيلية) وأنهارها الجميلة؟ كل شيء زال، [أطلق عليها جنود بنو امية عندما وصلوا إليها بحمص لشبهها الكبير بحمص الشام وأجواؤها].
البيت العشرون
الشرح: كانت هذه المدن أركانًا للإسلام، وسقوطها يعني انهيار الأركان.
البيت الحادي والعشرون
الشرح: الدين الإسلامي الحنيف النقي يبكي حزنا على ما أصابه من الخراب والهوان.
البيت الثاني والعشرون
الشرح: ديار الإسلام الخالية أصبحت مليئة بالكفار، بعد أن كانت عامرة بالإيمان.
البيت الثالث والعشرون
الشرح: المساجد تحولت إلى كنائس، وعلقت فيها النواقيس والصلبان يصف الشاعر ما حدث بالمساجد والجوامع بتحويلها لكتدرائيات كما في جامع بنو أمية وأشبيلية (حمص).
البيت الرابع والعشرون
الشرح: حتى المحاريب والمآذن تبكي حزنًا، بعد دخول الكفار وتحول المساجد لكنائس يشرك الله به فيها بعد التوحيد واشتياق المحاريب والمنابر للتوحيد.
البيت الخامس والعشرون
الشرح: يا من تغفل عن دروس التاريخ، الدهر منتبه لا يغفل. إن كنت تعيش في حلم فالدهر مستيقظ ويسجل [وهذي من حكمة الشيخ صالح رحمه الله].
البيت السادس والعشرون
الشرح: يا من تمشي مفتخرًا بوطنك، هل بعد حمص إشبيلية شيء يغري؟
البيت السابع والعشرون
الشرح: مصيبة الأندلس أعظم من أي مصيبة سابقة، ولن تُنسى عبر التاريخ.
البيت الثامن والعشرون
الشرح: نداء إلى الملك المريني، وأمير بنو الأحمر الذي كان يسترضي ملوك النصارى أن يدرك الكفار ويغيث أهل الاندلس.
البيت التاسع والعشرون
الشرح: يا فرسان الخيل الأصيلة السريعة، كأنها عقبان (صقور) في سباق. [ويصف الشاعر هنا فرسان بنو مرين وبقية القصيدة يستنجد بملوك بني مرين الذين كانوا أقوى دولة في المغرب وخاصة أميرها أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق].
البيت الثلاثون
الشرح: يا حاملين السيوف الحادة القوية كأنها في ظلمة ساحة القتال أو وسط غبار المعركة كأنها تلمع كالنيران.
البيت الحادي والثلاثون
الشرح: المسلمون وراء البحر (في المغرب) يعيشون في دعة وعز، لكن:
البيت الثاني والثلاثون
الشرح: هل وصلكم خبر عن أهل الأندلس؟ الركبان (القوافل) تنقل مأساتهم. [الشاعر وكأنه يقول متعجب من جلوسهم والمسلمين يقتلون وانتم لديكم القوة والبأس، وسنذكر ما حدث بعد هذه القصيدة في النهاية].
البيت الثالث والثلاثون
الشرح: المستضعفون في الأندلس يستغيثون بنا، يُقتلون ويُأسرون، لكن لا أحد يتحرك.
البيت الرابع والثلاثون
الشرح: لماذا هذا التفرق في الإسلام بينكم، مع أنكم إخوة في الدين؟ [المقصد خلاف بنو الأحمر وأمراء الأندلس مع ملوك بنو مرين ويتركون العدو].
البيت الخامس والثلاثون
الشرح: أين النفوس الأبية التي تسعى للخير؟ أين الأنصار والأعوان الذين ينصرون الحق؟ [وهنا نستذكر نجدة ابو يوسف يعقوب المنصور الموحدي لأهل الاندلس في معركة الأرك الخالدة في تلك الأيام كان هناك رجال يهبون لمساعدة أهل الاندلس للجهاد في سبيل الله].

البيت السادس والثلاثون
الشرح: يا من رأيتم ذل قوم بعد عزهم، بسبب الكفر والطغيان.
البيت السابع والثلاثون
الشرح: لو رأيتهم حيارى لا دليل لهم، يلبسون ثياب الذل، وجوههم شاحبة.
البيت الثامن والثلاثون
الشرح: كلما طلبوا النصر خذلهم، وأهلهم تخلوا عنهم.
البيت التاسع والثلاثون
الشرح: كما يُفرق الموت بين الأم وطفلها، بين الأرواح والأبدان.
البيت الأربعون
الشرح: الأعداء يقودون النساء والأطفال بالقوة إلى الذل، العيون باكية والقلوب حيرة.
الخاتمة
قيل أنه كتب القصيدة بين العام الهجري: 646 العام الميلادي: 1248 إلى 1267 ميلادي: 665 هـ. بعد عدة سنوات أستطاع المريني أبو يوسف أن يخمد بعض الثورات الداخلية في المغرب ليغيث أهل الاندلس بعد أن وصلته أصوات الاستنجاد من محمد الثاني الفقيه الأحمر الذي قام بالصلح مع المريني لمواجهة الخطر الذي يهدد المسلمين وكانت تلك الحملة ستنهي غرناطة وكان الأمير المريني رجل كبير في السن حكيم وبارع في القتال فما كان من محمد الفقيه الا ان يعطيه قيادة الجيش في معركة الدونونية 1276 (674 هـ) وأنتصر جيش المسلمين انتصار ساحق وقتل قائد العدو وعدد كبير من الفرسان النصارى الأقوياء فأخرت تلك المعركة سقوط الأندلس سنين. بعد المعركة اشتعلت الفتنه مرة أخرى بين المريني والأحمر. توفي أبو البقاء صالح الرندي العام الهجري: 684 العام الميلادي: 1285 رحمه الله وبعده بسنة توفي أبو يوسف المريني أثناء جهاده بالجزيرة الخضراء في الأندلس.
المصادر عدة وسأجمعها واحتمال في بعضها تحريف فأخذت المصادر من الثقات كمثال الدكتور عبدالعزيز، أما عن تاريخ أندلس الفتح الاسلامي حتى سقوط الخلافة في قرطبة - وديع أبو زيدون فهذا الكتاب فيه بعض الأغلاط.
المداخلات العلمية
سجّل دخولك لتشارك بمداخلةٍ علمية على هذه الدراسة.